فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة التوبة: الآيات 119- 121]

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (121)}
{مَعَ الصَّادِقِينَ} وقرئ: من الصادقين وهم الذين صدقوا في دين اللّه نية وقولا وعملا، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم للّه ورسوله على الطاعة من قوله: {رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء في صدقهم وثباتهم. وعن ابن عباس رضى اللّه عنه: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار، ووافقوهم وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم. وقيل لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك. وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه: ولا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجزه. اقرموا إن شئتم: وكونوا مع الصادقين. فهل فيها من رخصة؟
{وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} أمروا بأن يصحبوه على البأساء. والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعزُ نفس عند اللّه وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها ولا يقيموا لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه، فضلا عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهى بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية {ذلِكَ} إشارة إلى ما دل عليه قوله: ما كان لهم أن يتخلفوا، من وجوب مشايعته، كأنه قيل ذلك الوجوب بسبب {بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ} شيء من عطش، ولا تعب. ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يغيظهم ويضيق صدورهم {وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} ولا يرزءونهم شيئا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ} واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند اللّه، وذلك مما يوجب المشايعة. ويجوز أن يراد بالوطء الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله عليه السلام: «آخر وطأة وطئها اللّه بوج» والموطئ إمّا مصدر كالمورد، وإمّا مكان. فإن كان مكانا فمعنى يغيظ الكفار: يغيظهم وطؤه. والنيل أيضًا يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا، وأن يكون بمعنى المنيل. ويقال: نال منه إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسوؤهم وينكيهم ويلحق بهم ضررًا. وفيه دليل على أن من قصد خيرًا كان سعيه فيه مشكورًا من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وكذلك الشر. وبهذه الآية استشهد أصحاب أبى حنيفة أنّ المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك لنا الجيش في الغنيمة، لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم وينكى فيهم، ولقد أسهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لا بنى عامر وقد قدما بعد تقضى الحرب، وأمدّ أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه المهاجر بن أبى أمية وزياد بن أبى لبيد بعكرمة بن أبى جهل مع خمسمائة نفس، فلحقوا بعد ما فتحوا فأسهم لهم. عند الشافعي: لا يشارك المدد الغانمين.
وقرأ عبيد ابن عمير: {ظماء} بالمدّ. يقال: ظمئ ظماءة وظماء {وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً} ولو تمرة ولو علاقة سوط {وَلا كَبِيرَةً} مثل ما أنفق عثمان رضى اللّه عنه في جيش العسرة {وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا} أي أرضًا في ذهابهم ومجيئهم، والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال. ومنه الودي. وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض.
يقولون: لا تصلّ في وادى غيرك {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} ذلك من الإنفاق وقطع الوادي: ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى عمل صالح وقوله: {لِيَجْزِيَهُمُ} متعلق بكتب أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخ هؤلاء الآيات {انفروا خفافًا وثقالًا} [التوبة: 41] و{إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا} [التوبة: 39] قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول: لتنفر طائفة ولتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون اخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، لعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يعني ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني عصبة يعني السرايا فلا يسيرون إلا باذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم بعدنا قرآنًا وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم صلى الله عليه وسلم بعدهم، ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: {ليتفقهوا في الدين} يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم {لعلهم يحذرون}.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} قال: ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإِسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان المؤمنون يحرضهم على الجهاد إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية خرجوا فيها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في رقة من الناس، فأنزل الله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} أمروا إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أن تخرج طائفة وتقيم طائفة، فيحفظ المقيمون على الذين خرجوا ما أنزل الله من القرآن وما يسن من السنن، فإذا رجع اخوانهم أخبروهم بذلك وعلموهم، وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتخلف عنه أحد إلا باذن أو عذر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لما نزلت: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا} [التوبة: 39] {ما كان لأهل المدينة} [التوبة: 120] الآية.
قال المنافقون: هلك أهل البدو الذين تخلفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم ولم يغزوا معه، وقد كان ناس خرجوا إلى البدو وإلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. ونزلت {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة} [الشورى: 16] الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية.
قال: ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فاصابوا من الناس معروفًا ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجًا واقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير {ليتفقهوا في الدين} وليسمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم {ولينذروا قومهم} قال: الناس كلهم إذا رجعوا إليهم {لعلهم يحذرون}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ}: لولا تحضيضية والمرادُ به الأمر. و{منهم} يجوز أن يكون صفةً لـ {فرقة} وأن يكون حالًا من {طائفة} لأنها في الأصل صفة لها، وعلى كلا التقديرين فيتعلقُ بمحذوف. والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ من كل فرقة حالٌ من طائفة، و{منهم} صفة لفرقة، ويجوز أن يكونَ {من كل} متعلقًا بـ {نَفَرَ}.
وقوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} في هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه للطائفة النافرة على أن المرادَ بالنفور: النفور لطلب العلم، وهو ظاهر. وقيل: الضمير في {ليتفَّقهوا} عائد على الطائفة القاعدة، وفي {رَجَعوا} عائدٌ على النافرة، والمراد بالنفور نفورُ الجهاد، والمعنى: أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقيت إخوانهم يتعلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه، فإذا رَجَع الغازون أنذرهم المُعَلِّمون، أي: علَّموهم الفقه والشَّرْع. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}
لو اشتغل الكُلُّ بالتَّفَقُّه في الدِّين لَتَعَطَّل عليهم المعاش، ولبقي الكافة عن درك ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضًا على الكفاية.
ويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامُّهم كالرعية للمَلِك، وكَتَبَةُ الحديثِ كخُزَّان المَلِك، وأهلُ القرآن كحُفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للمَلِك إذ الفقيه (...) عن الله، وعلماءُ الأصول كالقُوَّادِ وأمراء الجيوش، والأولياءُ كأَركان الباب، وأربابُ القلوبِ وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه.
فيشتغل قومٌ بحفظ أركان الشرع وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالردِّ على المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوم مُفْرَدُون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شُغْلٌ، يراعون مع الله أنفاسَهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طَلَبٌ ولا يهزُّهم أَرَبٌ، فَهُمْ بالله لله، وهم محو عما سوى الله.
وأمَّا الذين يتفقهون في الدِّين فهم الداعون إلى الله، وإنما يُفْهمُ الخلْقَ عن الله مَنْ كان يَفْهَمْ عن الله. اهـ.